محمد متولي الشعراوي
1583
تفسير الشعراوى
الاختيار ؛ فالمنهج يقول لك : « افعل كذا ولا تفعل كذا » لأن الذي وضعه يعلم أنه قد خلقك صالحا لأن تفعل ما يأمرك به ، وصالحا لأن تفعل ما لا يأمرك به . إن اليد - مثلا - مخلوقة لتتحرك حسب إرادة صاحبها ، بدليل أن الإرادة إن شلت وانقطع الخيط الموصل للإرادة الآمرة إلى الجارحة الفاعلة عندئذ يحاول الإنسان المصاب بذلك - والعياذ باللّه - أن يرفع يده فلا يستطيع ، فاليد مسخرة لإرادة الإنسان ، وإرادتك أيها الإنسان عندما تسير في ضوء منهج اللّه فإنك توجهها في ضوء « افعل » و « لا تفعل » . وعندما يقال لك مثلا : « لا تضرب بها أحدا » فمعنى ذلك أن اليد صالحة لأن تضرب ، وعندما يقال لك : « خذ بيد العاثر » فيدك قادرة على أن تأخذ بيد العاثر . ، فأنت مخلوق على هيئة الطواعية من جوارحك لإرادتك . ويأتي المنهج ليقول لك : « نفذ الإرادة في كذا ولا تنفذ الإرادة في كذا » . . إذن فالإنسان عندما يتبع المنهج فهو يتفق مع الأشياء المسخرة تمام الاتفاق ، ويؤدى كل شئ على خير أداء ، لكن متى يختلف الإنسان عن الانسجام مع الأجناس الأخرى في الكون ؟ إن الإنسان يختلف عن الانسجام عندما لا يطبق المنهج ، فيشذ عن الركب في الكون كله ، ولتقرأ قوله سبحانه وتعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 18 ) ( سورة الحج ) إنها الأجناس كلها ساجدة ، الشمس ساجدة ، القمر ساجد ، والنجوم ، والجبال ، كل هذه الجمادات ساجدة ، وكذلك الشجر والنبات ساجد للّه ، والحيوان والدواب ساجدة للّه ، وكثير من الناس سجود ، لكن في مقابل هذا الكثير الساجد من البشر ، هناك كثير غير ساجد لذلك حق عليه العذاب ، ولو أن الإنسان قد أخذ